السياب والشوعية وعربستان

اذهب الى الأسفل

السياب والشوعية وعربستان

مُساهمة  مجاهد في الأحد مايو 10, 2009 12:34 pm

سطور من كتاب كنت شيوعيّاً بدر شاكر السياب والكتاب يجمع يوميات أو اعترافات هذا الشاعر الكبير نشرت عام ١٩٥٩ في جريدة (الحرية)البغدادية.
جاءت اعترافاته في (٢٩) حلقة حملت عنواناً واحداً (كنتُ شيوعيّا) ثم تلتها (١١)حلقة تحمل كل واحدة عنواناً خاصاً بها.

جاءت اعترافاته في (٢٩) حلقة حملت عنواناً واحداً (كنتُ شيوعيّا) ثم تلتها (١١)حلقة تحمل كل واحدة عنواناً خاصاً بها.


الحلقة الثالثة والثلاثون

العدد ١٥٠٢

التاريخ ٢٧/تشرين الأول /١٩٥٩

الشيوعيون هم الشعوبيون

صدر الأمر بالقاء القبض عليّ وراحت الشرطة تطاردني في الدائرة وفي مخزن الإطارات المستوردة لحساب الحكومة الذي كنت رئيسه.لقد قتل عدد من أفراد الشرطة في مظاهرة تشرين، ولابد أن بعض المتهمين ستصدر عليهم احكام بالإعدام. إن شرطة التحقيقات الجنائية ووكلاءها يعرفونني جيدا ومن السهل عليهم تشخيصي حين يتقدمون بالشهادة ضدي. وسوف يصدر الحكم بسجني لمدة عام أو أكثر وسأفصل من وظيفتي بالتأكيد، وهذا ما حدث فعلاً ، فعلام البقاء إذن؟ فلأهرب .

وبعد أن تنكرت تنكراً محكماً ولبست ملابس الأعراب سفرت بالقطار إلى البصرة.وفي أبي الخصيب سلمني بعض ذوي قرباي بأيدي جماعة من المهربين العراقيين، وقد أوصلني هؤلاء إلى إيران.

كان الوقت فجراً، في يوم شتائي بارد حيث أيقظني المهرب من نومي في دارهم. وسرت وراءه حتى بلغنا نهراً صغيراً يفصل بين العراق وبين إيران ، بل يفصل بين شقي أرض عربية واحدة تتشابه في كل شيء .لقد أخيل إليّ. لقد أخيل إليّ وأنا أسير بين النخيل وبين أشجار التوت والرمان التي أصفرت أوراقها، أنني اسير في قريتي، ورحت أردد وأنا أتطلع إلى هذه الأرض العربية التي استولى عليها الغاضبون أبياتاً من قصيدة المتنبي الشهيرة:

مغاني الشعب طيبا في المغاني

بــــمنـــزلــــة الــــربــــيع من الــــزمـــان

ولكن الفتى العــــربي فيـــــهـــا

غـــريــب الـــوجـــه واليد والــلسان
نعم ، لقد كانت غريب الوجه واليد واللسان في هذه الأرض العربية. واستفاق للمرة الأولى منذ عهد بعيد في نفسي شعور بقوميتي ، بعروبتي، اعتززت بعروبتي، وأقسمت بيني وبين نفسي ألاّ أفرط بها وألاّ أخونها لأن يهودياً قذراً قاسي القلب ادعى باعتناق المسيحية في القرن التاسع عشر ، ثم ألف يدفعه حقده وحسده وتعصبه اليهودي وما قرأه في التوراة ـ كتاباً سماه رأس المال ، وجاء بعده يهودي آخر من روسيا، ثار على الثورة التي قام بها البرجوازيون فأنشأ حكما، الأنسان فيه كالآلة لا يفكر ولا يحس إلاّ وفق نظام يفرض عليه، ولأن عدداً من الحاسدين والحاقدين واليهود والشعوبيين في البلاد العربية اتبعوا تعاليم هذين اليهوديين وخدعوا الشعب بها ووعدوه بجنة ستقام ـ ليتها قامت على الأرض حقاعلى الأرض ـ بينما هم يجمعون الأموال ويشترون العمارات والسيارات ويشبعون نزواتهم وغرائزهم كما يشتهون.

أيتها العروبة، يا قومية محمد وعمر وعلي والمتنبي وأبي تمام. يا قومية سيف الدولة والمعتصم وصلاح الدين الأيوبي، لن أخونك ولن أتخلى عنك طمعاً بالسراب الشيوعي أو النعم الشيوعية الراهنة. وفي إيران عرفت العرب العائشين هناك فيما يسميه الفرس عربستان، معرفة وثيقة. رأيت لغتهم العربية كيف أخذت تضمحل، فصرت تسمع العربي ينادي ابنه:إذهب إلى الاطاق وافتحه بالكليد واخذ معك الجراق واجلب لنا خربيزة. وهذا يعني:إذهب إلى الحجرة وافتحها بالمفتاح، وخذ معك المصباح، واجلب لنا بطيخة.

إن حزب تودة الشيوعي لا يعترف بوجود عرب في إيران.إن التوديين يقولون أن ليس في إيران عرب سوى الإيرانيين وأن القول بأن هؤلاء عرب وأولئك فرس هو قول استعماري باطل. أما في العراق، فلو كان هناك خمسة هندوس مستعربين لرفع الحزب الشيوعي العميل عقيرته بدعوة المواطنين من عرب وهندوس ..إلخ إلى توحيد النضال ولطبع القاعدة والمناشير الحزبية باللغة الهندية أيضاً.

حين اتصلت بموسى بيمان أو موسى أسد الإيراني الشيوعي الذي أصبح ملحقاً صحفياً للسفارة العراقية في لبنان العربي، طلب إلى تزويدهم بقصيدة ثورية من قصائدي لنشرها في جريدة ـ خلق عربستان ـ أي ـ أهالي عربستان ـ التي يصدرها حزب تودا لسكان هذه المنطقة العربية باللغة الفارسية. وكنت أحسب أنها تصدر باللغة العربية على غرار ما يفعله الحزب الشيوعي العميل حيث يصدر جريدته بلغة كل خمسة أنفار من سكان العراق بينما يبلغ عدد العرب في إيران حوالي الملايين الثلاثة.وأخبرني موسى بيمان أنه سيترجم قصيدتي بنفسه فقلت له: ولماذا تترجمها؟ فقال :لأن النشرة تصدر باللغة الفارسية، ورجوته أن ينشر قصيدتي بلغتها العربية الأصلية مادامت تلك النشرة ـ خلق خوزستان ـ موجهة إلى العرب. فقال:إن نشرها باللغة العربية يعد تشجيعاً للروح الانفصالية الموجودة لدى بعض العرب القاطنين في إيران.

أهذه هي الشيوعية يا رب؟ مع اليهود ضد العرب ومع الهندوس ضد العرب ومع كل الناس ضد العرب.من الممكن تبرير هذا حين يحدث في بلد عربي. أما إذا كان الشوعيون ضد العرب في بلد العرب فيه أقلية، فهذا ما لا يمكن تفسيره.إلاّ بأن الحركة الشيوعية في العراق خاصة هي امتداد للحركة الشعوبية كحركة القرمطة مثلاً التي يعرفها كل من قرأ التاريخ العربي.لقد كانت الحركات أيضاً تنادي بالاشتراكية بل وحتى بالإباحية وإشاعة المرأة، ولكن غرضها الحقيقي هو محاربة العرب قوميتهم ودينهم، والآن يقود الحركة الشيوعية في العراق أناس مستعربون شعوبيون متسترون بستار الشيوعية، فالحركة الشيوعية في الحق هي امتداد للحركة الشعوبية.ولا يخطئ من يسمي الشيوعيين العراقيين بـ القرامطة!

كان العرب في إيران بمجرد أن يعرفوا أنني عربي من العراق يقلبون علّي بكل أرواحهم وقلوبهم . كنت ذات ليلة، أنا وصديق عربي من عربستان في إحدى المشارب. أقبل على مشرب شبان عرب ما لبثوا أن تحلقوا حول منضدتنا حين سمعونا نتحدث باللغة العربية. وحين علموا أنني عربي من العراق راح أحدهم يتحسر ويقول: أنتم أخوتنا، وكم نتمنى لو كنا معكم في بلاد واحدة ودولة واحدة، ثم راح يغني أبوذية في مدح القرقوز فيصل ظاناً إنني من محبيهه لمجرد كوني عراقياً!!

وهب علينا سكران فارسي يتكلم العربية بلكنة .. وصرخ على المغني أن يخرس وقال: ملك فيسل.. ملك بهرين .. ملك كويت ..، سنو هازا؟ أنت إيراني، غني على ملك إيران ..شاهنشاه.

وكادت تحدث مصادمة بين العرب وبين الفرس في المشرب لو لا أن هدأنا الوضع وأفهمنا صاحبنا المغني بأننا لا نحب فيصلاً ولا خاله، وأن فيصلاً وخاله هما اللذان شرداني وجعلاني أهرب إلى إيران وأقاسي العوز الذل والخوف. ورأيت أن بقائي في إيران يكاد يكون مستحيلاً والنقود التي كانت معي أوشكت أن تنفذ. وأتفقنا أنا وصديق عربي من إيران على أن السفر إلى الكويت والاشتغال فيها هما خير ما نستطيع القيام به.

وفي قرية ـ العقبة ـ في جنوب عربستان وبينما كنا ننتظر هبوب الرياح لتقلع بنا السفينة إلى الكويت، حضرت مجلساً يقرأ فيه ملا فارسي كان يفرق سمومه وحقده على العرب مغلفة بغلاف من الدين، سمعته يصرخ: أين سلاك ملاون سأد ابن أبي وغاس كفت. وترجمة ذلك : هذا الكلب الملعون سعد ابن أبي وقاص..قلت: سعد بن أبي وقاص القائد العربي الفذ، حرر العراق من نير الحكم الفارسي، وأنزل برستمهم وبكسرى وإيوانه ضربة لن تنسى مادام في الدنيا تاريخ يقرأ.. يسبه امام العرب هذا الصعلوك الفارسي.رحت أدعو الله بأن يلهمني الصبر فلا اتناول النعل وزضرب به ذلك الفم القذر الذي يسب قومي وأمجادهم.

المصدر: كنتُ شيوعيّاً ، اعدها للنشر:وليد خالد أحمد حسن الطبعة الأولى٢٠٠٧ منشورات الجمل كولونيا (ألمانيا)
نقل عن مدونة الهامسون
http://alhamson.blogspot.com/

مجاهد
مشرف

عدد المساهمات : 4
تاريخ التسجيل : 04/05/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى